aliart.net Design Studio

حسان بورقية

 

حسان بورقية: جدلية الموت والحياة

حرص الفنان التشكيلي والكاتب والمترجم حسان بورقية (مواليد 1956 ببني ملال) على تأثيث فضاءات تصويرية متجددة الخصوبة البصرية، مفصحة عن بوح اختزالي وشذري عبر إيحاءات المادة وتداعيات الزمن. فهذا المبدع الذي يجرب أدواته باستمرار يقترح على أنظارنا كتابة تشكيلية جديدة تحتفي بأبجديات الصدأ ومقاومة الإثبات، في ضوء تعبير إيجازي يرتضي الاقتصاد في توظيف المواد غير الصباغية (فحم، قطع خشبية، أسلاك، حجر الشب، رماد، جير، مسامير، الزنك، ساعة، بيض، دقيق الأحجار، التراب...) على خلفيات عذرية تؤرخ لأزمنة الدمار والمحو والحريق. توحي اللوحات المعروضة بالرغبات في الحياة والولادات المتجددة وهي تقتحم الأراضي المحروقة والمنفجرة. إن بورقية يدرك جيدا مدى فلسفة الحريق وجغرافيات النيران المنطفئة، فهو ينشد على طريقة القصائد الملحمية بلاغة الكيانات المتفحمة والصدئة، ويعيد صياغتها على امتداد فضاءات مبنينة وفق لعبة الأشكال الاختزالية وقساوة مشاهد تخييلية تجعل بلغة بول كلي اللامرئي مرئيا. تمارس لوحات بورقية بإحساس مفرط سلطة بصرية على متلقيها الفعليين، فهي تنهض كمتاهات بصرية وكعوالم ممتدة بلا ضفاف. كل لوحة بمثابة شذرة تصويرية تنم عن قريحة هذا الفنان المعرفية والشعرية في آن معا. توحي كل لمسة غرافيكية بميلاد شيء أو بموته على شكل جدلي، فهي كناية عن حضور أو عن غياب. إنها، أيضا، جذر الظواهر الطبيعية والبشرية التي تشي بالبعد الخفي للوجود الإنساني في أبهى تجلياته.أعمال بورقية ضاربة في الزمن السحيق ومتجذرة في أماكن لا تعرف الهوية العمياء. ألا يجدر بنا، في هذا السياق المجازي، أن نتحدث مع الكاتب ادمون عمران المالح عن «التجاعيد» التي يخلفها عبور الريشة وهي تنساب مع صفاء القماش وسطحه الخام؟

رحلة الجير (تكريما للفنان خليل غريب)، عوالم تركيبية على الخشب، عوالم تركيبية على القماش،...الخ: عناوين بارزة لصفحات حائطية تشهد على توالي الحضور الإنساني بكل أبعاده المرئية واللامرئية (الحسية والتجريدية)، حيث تطالعنا الخربشات في شكل غرافيكي أو مقاطع موسيقية لا ندرك إلا قيمتها الجمالية موضوع «التمرئي»، اللهم بعض العبارات الموحية (لا للبيع، رسالة، غياب،...الخ) وكأنها «مناصات» (Paratextes) تضيء عتبات اللوحة وتكشف عن سيرورة المعنى التي تحكم فيها منطق المحو والإثبات الملازم للتصوير الطرسي (كتابة فوق كتابة).

في البدء كان الأثر... هذا الأثر البصري بكل تشكيلاته وإبدالاته هو التيمة التشكيلية التي يتأسس عليها صرح التجريدية الجديدة لدى بورقية. فالأثر هو الخلفية الجمالية والوجودية التي تمثل لازمة الألوان والأشكال والمواد وتشكل جوهر النصوص البصرية والأبجديات التصويرية التي تتماهى مع المادة فوق السند القماشي أو الخشبي. فكل الآثار التي تحتضنها فضاءات اللوحة مرسومة بشكل تلقائي، يذكرنا بخربشات الطفولة وتداعيات اللاوعي... لا وجود لآثار مبصومة عن طريق النماذج المسكوكة. كل الآثار البصرية للفنان بورقية كتابة إنسانية وشذرية للأثر الذي يمارس على المخيال البصري سلطة المحو وعنف المتخيل. ألسنا في حضرة الكتابة الأثرية التي تحدث عنه بإسهاب الباحث جاك كودي في مؤلفه المرجعي «العقل الغرافيكي»؟

في مقام هذه الذاكرة الصباغية الجديدة، يتأسس الخطاب البصري على تشكيل الصدأ والحريق الذي ينطفئ، متشاكلا مع الأبجديات الأولي للكتابة بالفحم ومع صرخات الولادات المتوالية (استعارة العش والبيض).

إننا بصدد منطق طائر الفينق وروح الاشتغال البرومثيوسي، الذي خبر كيمياء النار وكشف عن أسرارها الأبدية معلما هيراقليطس بأن النار هي أصل الوجود وملكوت كائناته وأشيائه. هكذا، سيخلص بورقية، في صمت وبدون إدعاء، لغواية بحثه التشكيلي المعمق، مشتغلا على العابر والمنسي والمكبوت في ضوء خطاب صباغي ومادوي فاتن: تراكيب صباغية وغير صباغية تشغل جغرافية اللوحة، وأحيانا تخترق مساحات سندها (أثقاب)، مختزلة هواجس الفنان الفردية والجماعية ومفصحة عن حاجاته الداخلية التي تحول، على إيقاع النيران الخفية والمعلنة، كل شكل إلى أثر. إن الفنان بورقية في هذه التجربة الصباغية الجديدة يرسم كما يكتب ، مذكرا المولعين بطقوس الحداثة التشكيلية بتعبير بول كلي:«أن نكتب أو نصور هذا أمر واحد في نهاية المطاف». ألا يدعونا بورقية إلى التفكير في التصوير الصباغي بطريقة أخرى؟

يقول الفنان بخصوص منجزه التشكيلي:«أحاول توظيف مواد نبيلة توحي بذاكرة الأشياء المتكلسة التي تعاني بشغف والتي كانت منذورة لمصير مجهول». كل هذه المواد أشلاء جمعها الفنان من سوق ببني ملال دمره الحريق، حيث تمثل بصيصا يوقظ شرارة الماضي وذكريات الفنان الطفولية خاصة المتعلقة منها بمتابعة فن الحلقة. فهذه المواد تذكر الفنان بمجموعات بلا لغة ولا هوية وتفضح نيران الحروب في تواطؤ مع أشعار محمد درويش وبدر شاكر السياب وجوزي فالونت وآخرين.

في سياقاته التشكيلية، تتفاعل السنائد والمواد وتضفي طابعا سحريا على المساحة والفضاء... كل لوحة هي تجربة بصرية تشتغل على جدلية الموت والحياة، أقصد جدلية الغياب والحضور، ملتزمة بمبدأ الاختزال والبساطة بالمفهوم العميق للكلمتين. جرأة إبداعية لافتة، خلفية معرفية رصينة، سهل ممتنع، تلقائية مفرطة وحس جنيني بكيمياء المواد والتخطيطات: كلها مدارات بصرية تتأسس، في منطق انشغالها الجمالي، على الاختزالية (القليل للتعبير عن الكثير). ألم يقل الفنان الفرنسي بيير سولاج:«في الفن، كلما كانت الوسائل قليلة كلما زاد التعبير قوة»؟

إذا كان اللون هو الذي يتملك بول كلي وأصبح معه ذاتا واحدة، فإن الأثر هو الذي يتملك بورقية ويدفع به نحو اكتشاف الجذر خارج كل واقعية وصفية أو تصويرية حسية. يالها من لحظة نشوء وارتقاء، تتجاوز بكثير ميتافيزيقا الفراغ من خلال مشهدة معالمه التي تضفي على اللوحة امتلاء ورمزية خالصة، آتية من بعيد وفق نظام مسترسل لا قيد له ولا شرط.

يعرض بورقية على لوحات الوجود مصير الكائنات الحية والأشياء في حضورها المجرد وفي أصل تكوينها. فكان الأثر بكل بنياته وإبدالاته شاهدا على حاسته الفنية ورؤيته الجمالية والمعرفية للعالم. إنه التمظهر الطبيعي والتجسيد المادي لكينونة الإنسان وصراعها ضد أشكال الإبادة والإقصاء والحروب المادية والرمزية. فالفنان بورقية يقف أمام الحياة وقفة طفل متيقظ يترصد تحولات وجوده العام بعين الدهشة الأولى. هل علينا أن نعترف بأنه يكتب تشكيليا القصيدة الأصلية التي تحدث عنها باقتضاب الباحث عبد الفتاح كيليطو والمرتبطة بالفقد والغياب والموت (لسان الدم). ألا تفكرنا لوحات بورقية بأرض الخراب لدى الشاعر إليوت وبالأرض التي شربت الدم، ثم افتقرت وصارت عقيما. فبعد أن كانت النار مبدأ للحياة، تصير مبدأ للموت ومجرد ذكرى وهباء وانطفاء للذاكرة (نتذكر البقع الفحمية المنطفئة).

يرسم بورقية الرحلة في الزمن، منساقا مع رغبته الجارفة لمعرفة ذاكرة البشرية واستقصاء قوانين صيرورتها على نحو جمالي وأيقوني في الآن ذاته. هذه الرحلة الذهنية والتخييلية هي نزوعه البصري الحقيقي، تنضاف إلى الرحلة في المكان وتضاعيف جغرافياته المنسية وأنساقه الإيحائية. يخيل إلي وأنا أعاود مشاهدة أعمال بورقية وكأنني أقرأ بيانا تشكيليا يشجب مكر التاريخ وانحرافه ويعري الفكر المتوحش للإنسانية المعاصرة التي تحولت معها الكائنات البشرية إلى مجرد وحدات عددية وإشارات ترميزية وأشلاء بدون هوية.

ثمة خاصية بصرية تزيد أعمال بورقية جمالية وبلاغة، هي الخلفية العامة التي تحتفي بالاستعارة الترابية وكأن بها تمسرح خرائط العالم وجغرافياته المتعددة... فهذا الكيان / الجدار أو الكيان / الجسد هو مسلك المعنى الذي ينتج قيما تعبيرية من قبيل الحرب والتوتر والنسيان والموت والرغبة في الانبعاث... إن الفنان يعلمنا أن المادة كاللون عين وبصيرة... فهي نسيج محمل بكل الدلالات والمعاني، نسيج بلاغي له تأثير مباشر في الروح.

إن النصوص البصرية المنسية التي تشكلها ذاكرة الفنان ليست سوى تفكيك لثقافات تهجس بأسئلة النسيان أو الصمت، أقصد الأشكال الجوهرية لموت كيانات وهويات وانبعاث أخرى. فهذه النصوص الشذرية تبوح بانطباعاتها العامة وتلقننا حكمة: دفن الحقيقة لم ينته بعد.

لوحات بورقية منذورة للاكتشاف. بوابات ومرايا تحكي لنا قصة التكوين والمحو بصيغة ملتبسة، وتقوم بتفضية وحدة النقيضين: حياة/موت، نص/صورة، حلم/واقع، حركة/سكون، حضور/ غياب، عقل/ جنون، مادة/ ماهية.

على هذه الخلفية الرمزية، تتجلى مشاهد بورقية الغريبة وتستدرجنا للتأمل في هشاشة الجسد وعبث الحياة ومفارقاتها وأوهامها، مرتكزة على مبدأ الترجمة كفعل تحويل وتبليغ يعيد تشكيل مفردات الأثر وكأنها جثث متنقلة وحقائق غائبة. نتذكر قول الفيلسوف مارتن هايدغر:«جوهر الفن الذي يسكن فيه الفن والفنان هو وضع الحقيقة – نفسها – في العمل الفني» (أصل العمل الفني). فمنذ معرضه الأول سنة 1985، ونحن نقف عند نزعة حنينية إلى الجذور والأصول تاركا العنان لشغفه بالكتابة وبالتشكيل في حضرة مدينة بني ملال، بعيدا عن ضجر المدن الكبرى وفوضاها العارمة. فهذا الفضاء الطبيعي هو الذي حقق مصالحته الكبرى مع عناصر الوجود الأربعة (التراب، الهواء، الماء، النار)، مضيفا إليها فتنة النور وبلاغاته الإشراقية (هناك تشاكل صوتي بين النار والنور).

لا يسعنا ونحن نتأمل مقام بورقية، إلا أن ننشد مع الحلاج:

سكوت ثم صمت ثم خرس وعلم تم وجد ثم رمس وطين ثم نار ثم نور وبرد ثم ظل ثم شمس

وقوله، أيضا:

وخضت في لج بحر فكري أمر فيه كمر سهم وطار قلبي بريش شوقي مركب في جناح عزمي إلى الذي إن سئلت عنه رمزت رمزا ولم أسمي